``` دور التراث الشعبي في تعزيز الهوية السودانية - بقلم: بحرالدين محمد بخيت - مركز الزغاوة ``` ```
مركز الزغاوة - للغة والتراث

بحث

البحوث الشائعة
الزغاوة التراث اللغة الوثائق الثقافة التاريخ موسيقى فنون
مركز الزغاوة للغة والتراث

دور التراث الشعبي في تعزيز الهوية السودانية - بقلم: بحرالدين محمد بخيت

ملخص المقال:

حين نحاول أن نتحدث عن السودان، كثيراً ما نبدأ من التاريخ السياسي، أو من الجغرافيا، أو من الأحداث التي صنعت ذاكرة البلاد الحديثة. لكن هناك تاريخاً آخر أكثر هدوءاً، ظل يمشي بين الناس دون أن تكتبه الكتب في كثير من الأحيان. إنه التاريخ الذي حفظته الجدات في الحكايات، وحفظه الرواة في صدورهم، وحفظته الأمهات في الأغاني، وحفظه الآباء في الأمثال، وحفظته المجتمعات في عاداتها وأزيائها وطرق احتفالاتها.

هذا هو التراث الشعبي.

ولأنني اقتربت من قضايا التراث واللغة، أدركت مع مرور الوقت أن التراث ليس شيئاً نعود إليه فقط عندما نريد إقامة مهرجان ثقافي أو معرض للأزياء الشعبية. التراث أعمق من ذلك بكثير. إنه ذلك الشيء الذي يجعل الإنسان يشعر بأن وراءه جذوراً، وأنه لم يبدأ حياته من اللحظة التي وُلد فيها، وإنما جاء من سلسلة طويلة من البشر الذين عاشوا على هذه الأرض، وتركوا شيئاً من تجربتهم لمن جاء بعدهم.

عندما كنت أستمع إلى كبار السن وهم يتحدثون عن الماضي، كنت ألاحظ أن حديثهم لم يكن مجرد سرد لأحداث قديمة. كانوا يتحدثون عن الأرض، وعن المطر، وعن مواسم الزراعة، وعن السفر، وعن العلاقات بين الناس، وعن الأفراح والأحزان، وعن الطريقة التي كان المجتمع يتعامل بها مع أفراده. وفي كل حكاية تقريباً كانت توجد قيمة، وفي كل مثل تجربة، وفي كل أغنية جزء من حياة الناس.

وهنا تكمن قيمة التراث.

فالهوية ليست اسماً نكتبه في بطاقة، وليست شعاراً نرفعه في المناسبات. الهوية إحساس داخلي بالانتماء، يتكون مع الإنسان منذ طفولته. الطفل يعرف نفسه من خلال أسرته ولغته وبيئته، ومن خلال القصص التي يسمعها والأغاني التي ينشأ عليها والطعام الذي يأكله والمناسبات التي يشارك فيها. وكلما كبر، أخذ معه هذه التفاصيل، حتى وإن ابتعد عن المكان الذي نشأ فيه.

ولذلك، فإن التراث الشعبي أحد أهم الأوعية التي تحفظ الهوية من الضياع.

السودان، بطبيعته، بلد متعدد الثقافات واللغات والعادات. وهذا التنوع ليس أمراً طارئاً، وإنما هو جزء من تاريخ البلاد. ففي كل منطقة من مناطق السودان نجد موروثاً خاصاً بها، وفي كل مجتمع نجد أشياء تميزه عن غيره. وقد تختلف الأزياء والأغاني والرقصات واللهجات وطرق الاحتفال، لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يكون سبباً للنظر إلى السودان باعتباره مجموعة من الجزر المنفصلة.

على العكس، أرى أن قوة السودان الثقافية تكمن في هذا التنوع نفسه.

فالهوية السودانية لا تحتاج إلى أن تلغي الهويات المحلية حتى تكون موحدة. فالإنسان يستطيع أن يكون معتزاً بلغته وثقافته المحلية، وفي الوقت نفسه يشعر بأنه جزء من وطن أكبر يجمعه بالآخرين. وربما كان فهم هذا الأمر من أهم القضايا التي نحتاج إليها اليوم.

فحين نحترم تراث الآخر، نبدأ في فهمه بصورة أفضل. وحين يتعرف أبناء الشمال على تراث الشرق، ويتعرف أبناء الوسط على تراث دارفور، ويتعرف أبناء دارفور على تراث النيل الأزرق وكردفان وغيرها، فإن المسافة بين الناس تضيق. الثقافة هنا تتحول من مجرد موروث إلى وسيلة للتعارف والحوار.

ولعل اللغة هي المثال الأوضح على ذلك.

فاللغة ليست مجموعة كلمات نتحدث بها ثم ننساها. اللغة تحمل ذاكرة أصحابها. وفي داخلها أسماء الأماكن، وأسماء النباتات والحيوانات، وطرق وصف المطر والرياح، وأسماء الأدوات، والأمثال، والتعبيرات التي لا يمكن ترجمتها دائماً إلى لغة أخرى بالمعنى نفسه.

ولهذا فإن المحافظة على اللغات السودانية المحلية ليست ترفاً ثقافياً. إنها محافظة على جزء من الذاكرة الإنسانية للسودان.

عندما يموت أحد كبار السن وهو يحمل في ذاكرته مئات الكلمات والحكايات والأمثال دون أن تُسجل، فإننا لا نفقد شخصاً فقط، وإنما نفقد مكتبة كاملة. وربما لا ندرك قيمة هذه المكتبة إلا بعد أن تختفي.

والأمر نفسه ينطبق على الحكايات الشعبية.

في الماضي، كانت الحكاية وسيلة للتسلية، لكنها في الوقت نفسه كانت مدرسة. يجلس الأطفال حول الكبار، يستمعون إلى قصة عن الشجاعة أو الوفاء أو الخيانة أو الكرم أو الصبر. ومن خلال القصة يتعلم الطفل كيف ينظر إلى الحياة، وما الذي يعتبره المجتمع قيمة وما الذي يرفضه.

وكان المثل الشعبي يقوم بالدور نفسه ولكن بكلمات قليلة. وربما كان المثل السوداني في بعض الأحيان أكثر تأثيراً من خطبة طويلة، لأنه خرج من تجربة عاشها الناس واحتفظوا بها عبر الزمن.

حتى طريقة استقبال الضيف وإكرامه، ومساعدة الجار، والوقوف مع أهل المصيبة، والمشاركة في الأفراح، والعمل الجماعي، كلها ليست مجرد عادات اجتماعية منفصلة، وإنما هي جزء من فلسفة المجتمع في الحياة.

ومن هنا أعتقد أن الحديث عن التراث يجب ألا يقتصر على الملابس والرقصات والأغاني، رغم أهميتها. فالتراث الحقيقي أوسع من المظهر. إنه يشمل طريقة تعامل الإنسان مع الإنسان، وطريقة المجتمع في حل مشكلاته، وطريقة الأسرة في تربية أبنائها، وعلاقة الناس بالأرض والماء والحيوان والمكان.

لكن هذا الإرث يواجه اليوم خطراً حقيقياً.

فالحروب والنزوح والهجرة والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية أدت إلى تفكك كثير من المجتمعات التي كانت تشكل البيئة الطبيعية لنقل التراث. كما أن وسائل التواصل الحديثة جعلت العالم كله يدخل إلى غرفة الطفل السوداني في لحظة واحدة.

ولا أرى أن المشكلة في التكنولوجيا نفسها. التكنولوجيا ليست عدواً للتراث. المشكلة أننا في أحيان كثيرة نستخدم التكنولوجيا لاستهلاك ثقافات الآخرين، بدلاً من استخدامها لحفظ ثقافتنا.

الهاتف الموجود في يد الشاب السوداني يمكن أن يكون وسيلة لنسيان التراث، لكنه يمكن أيضاً أن يكون أرشيفاً له.

يمكننا أن نسجل صوت الجد وهو يحكي قصة عاشها، وأن نصور امرأة وهي تصنع زياً تقليدياً، وأن نوثق طريقة إعداد طعام شعبي، وأن نسجل أغنية قديمة قبل أن تضيع، وأن نجمع أمثال منطقة معينة، وأن نصور الحرفيين وهم يعملون. هذه الأشياء التي كانت تحتاج في الماضي إلى مؤسسة كبيرة يمكن اليوم أن يبدأ بها شخص واحد يحمل هاتفاً.

وهنا يأتي دور الجيل الجديد.

لا ينبغي أن نطلب من الشباب أن يعيشوا كما عاش أجدادهم، فهذا غير ممكن وغير مطلوب. الزمن يتغير، والمجتمعات تتغير، والثقافة نفسها تتطور. المطلوب هو أن يعرف الشاب جذوره، حتى وهو يعيش في عالم حديث.

فالإنسان الذي يعرف أصله لا يخاف من العالم.

يمكنه أن يتعلم لغة أخرى دون أن ينسى لغته، وأن يستمع إلى موسيقى جديدة دون أن يخجل من أغنية أجداده، وأن يعيش في مدينة حديثة دون أن يشعر أن ثقافته القديمة شيء يجب إخفاؤه.

وهذه القضية تصبح أكثر حساسية بالنسبة لأبناء السودان الذين يعيشون خارج البلاد.

ففي المهجر، لا يعيش الطفل السوداني دائماً البيئة التي كانت تساعد بصورة طبيعية على نقل الثقافة. وربما يكبر الطفل وهو يتحدث لغة البلد الذي وُلد فيه، ولا يعرف إلا القليل عن لغة والديه أو أجداده. وهنا تصبح الأسرة والمؤسسات الثقافية أمام مسؤولية كبيرة.

يمكن أن تتحول المناسبات الثقافية في المهجر إلى مساحات حقيقية للتعلم، لا مجرد احتفالات. يمكن للأطفال أن يتعلموا الأغاني، وأن يتعرفوا على الأزياء، وأن يسمعوا قصص الأجداد، وأن يشاهدوا الحرف التقليدية، وأن يتعرفوا على خريطة السودان وثقافاته المختلفة.

والأجمل أن يشارك كبار السن في هذه العملية. فهناك معرفة لا توجد في الكتب، وإنما توجد في ذاكرة الأشخاص الذين عاشوا تلك المرحلة.

لقد تأخرنا كثيراً في توثيق هذا النوع من المعرفة.

كم من راوٍ رحل ولم تُسجل قصصه؟ وكم من امرأة كانت تحفظ عشرات الأغاني القديمة ثم رحلت دون أن يسمعها الجيل الجديد؟ وكم من حرفة اختفت لأن آخر من كان يعرف أسرارها لم يجد من يتعلمها منه؟

هذه خسائر لا يمكن حسابها بالمال.

ولهذا فإن مشروع حفظ التراث السوداني يحتاج إلى رؤية تتجاوز المناسبات. نحن بحاجة إلى عمل مستمر في التوثيق والدراسة والتعليم. نحتاج إلى أرشيفات تحفظ الصوت والصورة والنص، وإلى مراكز تجمع الباحثين والرواة والفنانين والحرفيين، وإلى مدارس تعرّف الأطفال بتراث مناطقهم وتراث السودان عامة.

كما نحتاج إلى أن نعيد النظر في مفهوم التراث نفسه. فليس كل ما جاء من الماضي صالحاً بالضرورة لأن يستمر كما هو، كما أن ليس كل ما هو قديم مقدساً. هناك ممارسات يمكن تطويرها، وأخرى يمكن تركها، لكن حتى ما نختلف معه ينبغي أن ندرسه ونفهم سياقه قبل أن نحكم عليه.

فالتراث مادة للمعرفة، وليس سجناً للمجتمع.

وإذا أردنا هوية سودانية قوية، فإن الطريق إليها لا يكون بإنكار التنوع، بل بفهمه. لا يكون بإجبار الجميع على ثقافة واحدة، بل بإعطاء كل ثقافة حقها في الوجود والتعبير. فدارفور جزء من السودان، وتراث الشرق جزء من السودان، وثقافات الشمال والوسط وكردفان والنيل الأزرق وغيرها كلها أجزاء من هذه الصورة الكبيرة.

وفي هذا التنوع يمكن أن نجد شيئاً جميلاً يجمعنا: أن لكل منطقة قصتها، لكن جميع القصص تنتمي إلى وطن واحد.

إنني كلما اقتربت من التراث شعرت أن القضية ليست قضية ماضٍ فقط. إنها قضية مستقبل أيضاً.

نحن لا نوثق التراث لأن الأجداد طلبوا منا ذلك فحسب، وإنما لأن أبناءنا في المستقبل سيبحثون عن إجابة لسؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه: من نحن؟

وإذا لم نترك لهم إجابة، فسوف يبحثون عنها في أماكن أخرى.

لذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست فقط أن نحفظ ما تبقى من تراثنا، وإنما أن نجعله حاضراً في حياة الناس. علينا أن نكتب، ونسجل، ونصور، ونعلم، ونحاور كبار السن، ونشجع الشباب، ونفتح المجال أمام الباحثين والفنانين والمبدعين.

فالتراث الذي يعيش بين الناس أقوى من التراث المحفوظ خلف الزجاج.

وفي النهاية، أعتقد أن أجمل ما يمكن أن نتركه للأجيال القادمة ليس مجرد صور قديمة أو قطعاً أثرية، وإنما ذاكرة حية تقول لهم: هذه هي الأرض التي جاء منها آباؤكم، وهذه لغاتهم، وهذه أغانيهم، وهذه حكاياتهم، وهذه القيم التي عاشوا بها، وهذا التنوع الذي صنع جزءاً من شخصيتهم.

فالهوية لا تولد من الفراغ، والتراث ليس عبئاً نحمله من الماضي، بل جذور تمنحنا القدرة على الوقوف بثبات ونحن نتجه نحو المستقبل.

ومن لا يعرف ذاكرته، يصعب عليه أن يعرف نفسه؛ ومن لا يعرف نفسه، يصعب عليه أن يحدد الطريق الذي يريد أن يسلكه.


مقالات ذات صلة

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد

```